أرض المسؤليات

كل منا على اختلاف مواقعنا فى الحياة له مجموعة من الأدوار يقوم بها .. وكل دور له مجموعة من الامتيازات والمسؤليات اللازمة لهذا الدور

هذا أمر لا نقاش فيه .. فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته

مثلا .. لو أخذنا دور الأب كمثال سنجد أنه عليه أن يوفر لأسرته حياة كريمة .. عليه أن ينفق على أسرته بما تيسر له .. وعليه أن يحاول تنمية دخله ليوفر لأسرته حياة أفضل .. كما عليه أن يحترم أفراد أسرته من صغيرهم لكبيرهم .. وصغيرهم قبل الكبير لأن هذا يؤثر فى احترامه لذاته .. عليه أن يراقب ما يؤثر على خلق وثقافة أسرته من عوامل خارجية  كالتليفزيون والكتب والمعارف والأصدقاء .. عليه أيضا أن يحمى أسرته ضد المخاطر الخارجية وأن يحمى صحتهم ضد التدخين مثلا .. عليه كذلك أن يحافظ على مد جسور من التواصل بين أسرته وبين العالم الخارجى كالأقارب والمعارف لضمان عدم انعزالهم عن العالم .. عليه أن يتأكد من أن أفراد أسرته يحافظون على النظام والأدب سواء داخل البيت أو خارجه .. سواء مع بعضهم البعض أو مع العالم الخارجى .. عليه أن يتابع تعليمهم ويتأكد من أنهم لا يتعلمون ويحصلون على مؤهلات فقط وإنما هم يتميزون أيضا بالسعى لتعلم المزيد خارج إطار المنهج

إذا قارنا تلك المجموعة من المسؤليات بمسؤليات الحاكم لبلد ما .. لا أعتقد أننا سنجد كثير اختلاف .. أعتقد أن الاختلاف سيكون فى مساحة المسؤلية وليس فى نوعيتها .. أى أن الحاكم عليه هذه المسؤليات نحو شعب بأكمله بينما شعب الاب هو أسرته الصغيرة فقط .. لصالح من هذا الفرق؟ لصالح الأب بالتأكيد .. فكلما صغر حجم المسؤلية كلما – بديهيا – سهل القيام بها

إذن دعنا نرى الصورة الآن .. كم من الآباء يتأكد من محتوى ما يدخل بيته من برامج التليفزيون ومسلسلاته؟ .. كم من الآباء يحرص على أن يتزود أولاده من العلم أكثر من حدود المنهج؟ هذا إن اهتم بأن يتعلم المنهج أصلا وليس مجرد اهتمام بالنجاح؟ أعرف أن الكلمة التى تشغل حوالى 90% من حوارات الآباء مع الأبناء هى “ركز فى مذاكرتك” .. ولكنها تعنى “عليك أن تنجح ” هل يهتم الآباء بمتابعة مدى الاستفادة الفعلية لابنائهم من هذه المناهج؟ .. كم من الآباء يضع نظاما لمنزله ويحرص على أن يتبعه أولاده .. لا أقصد طبعا أن يضع نظاما للمرور داخل المنزل .. ولكن مثلا هل هناك نظام يشمل كل أفراد البيت بتنظيف المنزل أسبوعيا مثلا؟ .. أو للقيام بمهام المنزل الخارجية كدفع الفواتير أو شراء احتياجات المنزل مثلا؟ .. كم الآباء يحترم أطفاله الصغار بحيث لا يهينهم ولا يهمش من دورهم ومسؤليتهم فى البيت؟ ولا يطلب منهم الاختفاء عند وجود ضيوف فى المنزل؟ ولا يسكتهم إذا تكلموا أثناء حديث الكبار؟ .. لن أتحدث هنا عن الآباء المدخنين فهذا حديث طال الكلام فيه .. ولكن كم من الآباء يمنع ضيوفه من التدخين فى بيته حفاظا على صحة أطفاله؟ .. كم من الآباء يهتم بتوفير مكتبة فى بيته للأطفال ويتابع قراءات أطفاله ويشجعهم على ذلك؟ .. كم من الآباء يحدث أطفاله عن احترام الطابور أو المرور أو الصعود والنزول فى وسائل المواصلات؟ .. كم من الآباء يعلم أطفاله الابتسام فى وجه الآخرين عند اللقاء؟ .. ناهيك طبعا عن رؤية الأطفال لآبائهم وهم يشتمون أثناء القيادة .. فهذا حديث آخر

هل قام كل أب بمسؤليته كاملة تحو أولاده ؟ لا أقصد بالمسؤلية هنا توفير احتياجات الأبناء .. ولكن أقصد مسؤلية توفير أبناء مسلمين نافعين لدينهم ومجتمعهم وبالتبعية أنفسهم؟ .. كم من الآباء لديه هذه الرؤية وينفذها عمليا؟

ليس الآباء فقط هم أصحاب المسؤلية .. هل قام كل مدير بأداء مسؤليته كاملة نحو مرؤسيه؟ .. هل قام كل مدرس أو أستاذ جامعة بأداء مسؤليته كاملة نحو تلامذته؟

أنا مثلا أجد أننى فى موقع مسؤلية كبير الأثر .. فهل قمت أنا بمسؤليتى تجاه ال 100 طالب مثلا الذى ادرس لهم فى عام ما قبل أنا اطلب من المسؤلين عنى القيام بمسؤليتهم تجاهى؟

إذن لماذا نطالب دائما الحكومة بأداء مسؤليتها كاملة نحونا كشعب؟

هذا الموضوع ليس لتبرئة ساحة الحكومة من مسؤليتنا .. ولكن ما أريد قوله أنه وقبل أن ننظر إلى تقصير الآخرين فى حقنا يجب أن نتأكد أننا لم نقصر فى حقوق الآخرين علينا .. يجب أن نتأكد أننا قمنا بمسؤليتنا كاملة

يبقى السؤال .. ماذا إن قمت بمسؤليتى كاملة – وهذا أمر أراه شديد الصعوبة إن لم يكن مستحيل فالكمال لله وحده – ولكن المجتمع من حولى وبالتالى الحكومة لم يقوموا بواجبهم؟

الإجابة – فى نظرى – فى أمرين

الأول: الالتزام خلق لا ينتظر مقابل .. بمعنى أننى عندما التزم ليس ذلك تجربة أنتظر إن كانت ستؤتى ثمارها أم لا .. ولكنه يجب أن يكون فطرة أصيلة فى غير مرتبطة بالعالم الخارجى

وكذلك كل القيم والأخلاق والأهداف التى نؤمن بها .. وإلا كان لزاما على الرسول – عليه الصلاة والسلام – وقد كُذب وأُوذى وأُهين أن ينفض يده من أمر الدعوة .. فقد جرب كثيرا ولم يُستجاب له .. وكذلك الحال مع كل الأنبياء وكل المصلحين فى التاريخ القديم والحديث

الثانى: إن جربت الالتزام ولم يؤتى ثماره فقررت أن أهجره .. هل يعذرنى هذا عند الله؟

الثالث: وماذا على إن ثبت أنا على ما أؤمن به وحدى فى العالم أجمع؟ ماذا يضرنى؟ .. أليس ما يهمنى أن أخرج من هذه الدنيا وقد أديت ما على من واجبات؟

أخيرا .. ملحوظة مهمة

عندما نتحدث عن المبادئ والقيم وما نؤمن به .. عادة يتبادر إلى أذهاننا الأمانة والنظافة اليد وعدم السرقة أو الغش أو الرشوة .. وما إلى ذلك من الأمور الكبيرة

لا أعرف لماذا لا نعتقد أننا يجب أن نؤمن بوجوب النظافة .. أو باحترام الطابور؟

ملحوظة : كثير من هذا الموضوع كتبته تحت تأثير حلقات من برنامج خواطر .. وربما .. ربما أتحدث عن هذا البرنامج فى موضوع آخر .. فأنا شديدة الإعجاب بفكرة البرنامج

Advertisements

تعليق واحد

  1. سبتمبر 12, 2009 في 1:45 ص

    أرق تحيه لشخصكم الكريم
    اذا أحببت مشاركتنا بالدعايه لمستشفي سرطان الأطفال
    تفضل بزيارة مدونتي
    http://www.30masara.wordpress.com
    د. عماد واصف


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: