امتى بنغضب؟

بس لما تتمس حقوقنا أو حد يهيننا أو حتى يمس كرامتنا من بعيد .. بس لما حد يعمل حاجة تتعبنا شوية نغضب .. وغضب شديد كمان إذا لزم الأمر

لكن لما يتمس حق من حقوق الآخرين هل بنغضب؟

مباتكلمش عن الحقوق الكبيرة اللى بتطلع فى التليفزيون .. مباتكلمش عن حق الفلسطينيين إنهم يعيشوا

بأتكلم عن حقى فى الطابور .. أو حقى فى معاملة كريمة فى مصلحة الكهرباء .. بأتكلم عن حقى فى سلم متمهد بدل سلم الصحراوى بتاع تسلق الصخور

بأتكلم عن حقى فى عربية سيدات فى المترو ميركبهاش رجالة .. بأتكلم عن حقى فى المستشفى إن الدكتور يسمعنى بجد وإن الممرضة تراعينى بحق

بأتكلم عن حقى فى المدرسة إن المدرس يفهمنى بجد مش تقضية واجب

بأتكلم عن حقى فى الكلية إنى آخد محاضرتى وسكشنى كما يقول الكتاب .. على الأقل كتاب اللايحة

إمتى بقى أغضب؟ بس لما تبقى حقوقى الشخصية تحت التهديد.. غير كده لو غضبت الناس ممكن تقولك وانت مالك؟ ايه اللى مضايقك قوى كده؟

يعنى مثلا لو أنا عندى عربية وعرفت إن الرجالة بتركب عربية السيدات فى المترو وغضبت الناس تقولى وانتى مالك؟ ما انتى عندك عربية

لو أنا واقفة فى الطابور قدام الشباك وشفت واحد بيدخل فى الطابور مش مكانه – بس هو مجاش ناحية حقى فى الطابور – وغضبت هيقولوك وانت مالك وأنا جيت ناحيتك؟

لو أنا فى الكلية وشفت طلبة مش بياخدوا حقهم فى محاضرة أو سكشن وغضبت يقولولك هو إبن أختك فيهم ولا ايه؟

لو فى الأتوبيس شفت واحد بيرمى قشر اللب ع الأرض وغضبت يقولك وانت مالك؟ هو كان الأتوبيس بتاعك؟

على فكرة الغضب اللى بأتكلم عنه هنا مش معناه إنى باروح أتخانق أو أعترض أو حتى أتكلم مع اللى عامل المشكلة أو حتى أشتكيه

الغضب اللى بأتكم عنه هنا مجرد الإحساس بالغضب .. مجرد الإحساس بالمهانة وكأنه حقى اللى اتمس حتى لو مش هأعمل أى حاجة كرد فعل .. برضه تلاقى الناس تقولك وإنت مضايق نفسك ليه كده إنت مالك؟ اعمل اللى عليك وخلاص

وخلاص؟؟؟؟

اللى بأتكلم عنه هنا هو حالة التعجب اللى بتيجى للناس – والأصدقاء منهم – لما يشوفوا حد بيغضب عشان شئ مش بيخصه بشكل مباشر

يعنى القاعدة إن كل واحد فينا يهتم بحاله وخلاص .. ومجرد الإحساس بالضيق عشان شئ خارج دايرة حياتنا الشخصية ده يعتبر أمر عجيب

الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان ليغضب لنفسه قط .. ولكنه كان بيغضب لحقوق المسلمين

أنا خدت كده فى المدرسة فى يوم من الأيام .. أو سمعتها فى درس أو خطبة يمكن

يعنى مش من المفترض يكون الغضب لحقوق الآخرين شئ عجيب يعنى

ولا هو زى ما بيقولوا الدين فى الجامع أما الحياة فشأن آخر؟

هل هى مجرد وظيفة؟

طبعا أكيد بأتكلم عن وظيفتى “معيدة فى هندسة شبرا” .. السؤال هل هى مجرد وظيفة؟ هل مطلوب منى بس أدى سكشن بما يرضى الله وأروح بيتنا راضية عن نفسى؟

هل أنا مجرد ترس فى مكنة لو مشيت المكنة هامشى ممشيتش آدينا مريحين؟

هل منتهى أملى فيها إنى أدى سكشن كويس؟ ده لو ليا فيها أمل

هل أنا بأشتغل فى الكلية عشان دى وظيفة و”أكل عيش”؟

أنا ضيفة فى الكلية ولا صاحبة بيت؟

الطلبة دول بيمثلولى ايه؟

أنا باشتغل فى الكلية ليه؟

ليه ماشتغلتش بره فى شركة كبيرة ب3 أضعاف مرتبى؟

ليس الغرض هو استمتاعى بالحياة

شريف:

ألم تفكر فى الاستقرار هناك؟

رفعت:

الغرض ليس استمتاعى بالحياة .. لقد أرسلتنى الدولة إلى هناك على نفقتها كى أغترف ما أستطيع من علم وأعود به .. أعود به إلى (حميدة) و(باتعة) وعم (شعبان) وعم (بسيونى) العجوز الذى يعمل فى الحقل، ويشعر أنه شاحب وأنفاسه متقطعة وأنه لم يعد على ما يرام .. هذا هو فهمى للأمور .. للدقة أكثر: أنا ذهبت هناك لأدرس على نفقة عم (بسيونى) وأمثاله. لو كان الغرض هو إمتاعى لكنت هناك الآن متزوجا من ابنة البروفسور، ولكنت آتى فى إجازة الصيف كل خمسة أعوام مع ابنى (جيمى) و(سارة) لأحدثهما عن الأهرام وعظمة الفراعنة بينما هما غير مكترثين ..

شريف:

أنت اخترت مصر إذن ..

رفعت:

بعبارة أدق: اخترت ما أحبه فى مصر .. هناك أشياء عديدة لا أحبها لكنى أحاول أن أنساها .. مع أول انقطاع للتيار الكهربى أوالمياه، أو أول مشاجرة مع موظف فى السجل المدنى، ومع أول طوبة أتلقاها فى جبينى وأنا أقود سيارتى على الطريق السريع، ومع أول برنامج تلفزيونى أبله، أقول لنفسى: لماذا عدت؟ .. لكنى أتذكر عم (بسيونى) العجوز الطيب الذى يشرب الشاى الأسود بالنعناع فى الحقل ليلا، فأهدأ ..

الحوار ده كان بين رفعت إسماعيل وشريف السعدنى فى عدد الحلقات المنسية من سلسلة ما وراء الطبيعة لأحمد خالد توفيق

طبعا “هناك” اللى فى أول سؤال بتشير إلى البلد اللى سافر إليه رفعت إسماعيل فى منحة .. أسكتلندا

دايما بيعجبنى فى كتابات د أحمد خالد توفيق قدرته الغير طبيعية على الوصف بدقة .. سواء وصف وجهات النظر أو المشاعر أو الأشياء

مؤمنة أنا بوجهة النظر دى .. مش بس بخصوص السفر بره البلد وإنما بخصوص حاجات كتير .. بخصوص الهروب عموما .. الهروب من المهام والأوضاع الغير مريحة

يعنى بأعتقد إن المفروض الإنسان – أى إنسان – لما يواجه اختيار صعب ويبقى قدامه فرصة إنه يهرب لوضع أكثر راحة، بس يفتكر إنه “ليس الغرض هو استمتاعى بالحياة”

متعة التدريس

أنا مقتعنة إن كل واحد فى الدنيا اتخلق عشان يقوم بدوره وإن كل ميسر لما خلق له. وبأعتبر نفسى مثال على هذه الحقيقة.

مش عارفة إذا كنت أنا مدرسة كويسة قوى كده وهل أنا فعلا أنا مناسبة للدور ده قوى كده. بس اللى أعرفه إن أسعد أوقاتى بتبقى وأنا بأدرس.

لما حد بيتعلم حاجة جديدة بأحس إن فى لمبة نورت فى مخه خلته يكتشف مناطق جديدة فى مخة مكانش شايفها. تخيل بقى إنك إنت تبقى السبب فى النور ده؟

الجميل بقى إن ده جزء مش كل من التدريس. عيون الطلبة وهما منتظرين يتعلموا حاجة جديدة بيبقى فيها نور .. شرط إنهم ميكونوش لسه صاحيين من النوم أو آخر اليوم وهلكانين 🙂

لما يجيلك طالب يستشيرك فى أمر يخص مستقبله قد إيه بتحس بمسئولية. الإحساس بالمسئولية على قد ما هو متعب على قد ما بيحسس الإنسان إن ليه لازمة.

يا سلام بقى لما تشترك مع الطلبة فى نشاط إضافى فوق الدراسة. حاجة كده باختيارهم الحر مش مجبرين عليها. ده بقى بيبقى قمة الحياة.

ميزة كمان للتدريس إنه بيخليك تحتفظ بشبابك للأبد شرط إنك تفضل قريب من تلاميذك للأبد. متسيبهمش وتقعد فى برجك العاجى.

فى ناس بتعتبر التدريس هم كبير ومتعب قوى. لكن أنا باعتبره أجمل نشاط ممكن يقوم بيه الإنسان فى حياته.